مقدمة

كانت مؤلّفة هذا الكُتيب معروفةً لدى الكثيرين باسم «العمة غلاديس». فهي كانت تحب الأطفال وكانت تحب أنْ تحدثهم عن الرب يسوع.

كانت متزوجة لأكثر من ٥٠ سنة من مزارع قمح، ولهذا كان لديها معرفة عن مواضيع زراعة وحصاد القمح.

وفي هذا الكتيب ستقارن حياتنا مع ثلاث حبات قمح. وأسماء هذه الحبات: والّي، ويلِّي، وأختهما وينِّي.

الحصاد قريب. هل أنت مستعد للذهاب إلى السماء؟ هل تبت عن خطاياك وقبلت الرّب يسوع مخلصًا لك؟

الحبة الصغيرة ويلِّي

شعر ويلِّي حبة القمح أنه ينزلق. «ماذا يجري هنا؟» شيء ما قد ابتلعه. ويبدو أن أخوه والّي، كان يسير بجانبه على أعلى موجة القمح المتدفقة.

تثاءب والّي: «وأخيرًا يجب أن يحدث شيء ما… لقد كنت أعتقد أننا سنبقى هنا إلى الأبد، متكدسون سويةً في مصعد القمح الكبير هذا».

«حسنًا، لقد قالت أمنا قبل الحصاد في الخريف الماضي إنه سيضعوننا في المخزن هنا طول فصل الشتاء. وأعتقد أنه حان وقت الربيع».

هتفت أختهما وينِّي من الفرحة وهي تمر من جانبهما انزلاقاً «يا لهو من أمر مشوق. هذا أمر ممتع! إنه مثل الانزلاق على منحدر كبير». وقد كان الكثير من الحبوب تعبر إلى جوارهم وهي تنزلق… وأمامهم في الأعلى كان ثمة نور ساطع أزعج عيني ويلِّي.

فقال لأخيه التؤام وهو ممسك بيده، «امسك بشدة، حتى نستطيع البقاء معاً. وعلينا أن نمسك بيد وينِّي أيضًا. ولكن لا أستطيع أن أراها في أي مكان».

فجاءةً انزلقا من قلب الظلام الداخلي لمصعد القمح وسقطا في أنبوب نحو الأسفل، مثل شلال منهمر، لأسفل… لأسفل… لأسفل… إلى فتحة كبيرة مظلمة.

وما إنْ التقط والّي أنفاسه، حتى قال لاهثًا «لقد تم ابتلاعنا ونحن أحياء».

«لا اعتقد أننا على ما يرام. فنحن الآن في كيس قمح كبير».

لقد تم رشهما ببعض المواد الكيماوية لقتل الحشرات، فسعلا سعالًا خفيفًا، وحاولا تصفية عيونهما. بعد عدة عطسات، استقرا بشكل أكثر راحة، وتمكنا من إلقاء نظرة خاطفة على النوافذ.

«انظر، نحن الآن ذاهبون لركوب الشاحنة».

كان ذلك أمرًا رائعًا… في الهواء النقي وأشعة الشمس تشرق على جانبي الطريق، وهما يتأملان الأبقار ترعى في الحقول.

صرخ والّي من الفرح «أه، انظر إلى الحملان الصغيرة تلعب معًا هناك. وهي لطيفة للغاية».

صرخ ويلِّي: «إن أوراق الأشجار خضراء نضرة، وقد تفتحت براعمها للتو… وانظرْ إلى هذا الجدول الصغير هناك». وقال بحزن: «أتمنى أنْ نخوص في الماء ونزيل عنا بعضًا من هذا الغبار».

فأجابه والّي: «ستغرق، فأنت تعرف أننا لسنا أسماكًا».

وبعدما بدا أنه مضت ساعات وساعات من السفر، انعطفوا إلى الحقل وانطلقوا فوق التراب الناعم إلى قمة التل.. وهناك توقف المحرك.

كان كل شيء هادئًا. كانت الشمس تغرب، وكان ثمة منظر رائع لألوان بديعة متلألئة في السماء. قال ويلِّي متأملًا: «لقد خلق إلهنا كل هذا، ما الذي كان يجب أن يكون في البدء؟».

فرد ويلِّي «لقد كان حسنًا».

سرعان ما بدأ الظلام يغطي المكان، وسمع ويلِّي عواء ذئب البراري قريباً. الآن بدأت مجموعة ذئاب البراري في حفلة النباح والعواء.

«من الحسن مشاهدة النجوم مجددًا يا ويلِّي. انظر القمر يقترب من هناك».”

«الله دائمًا في الموعد… لا ينام أبدًا. من الأفضل ألا تستيقظ نعسانًا غدًا، لأن هؤلاء المزارعين يبدأون العمل في الصباح الباكر، حسب ما أسمع من كلام هؤلاء الناس».

وهذا أمر أكيد، فعندما بدأت خيوط الشمس الأولى تشرق في الأفق، رأو بعض الآلات الزراعية تتوجه نحو مكانهم.

شهق ويلِّي قائلًا: «انظر إلى هذا الجرار!. هذا ليس جرارًا صغيرًا… إنه جرار كبير بثماني عجلات… ويجر آلة تبذر البذار، سنحصل على تجربة جديدة. هل تتذكر أن أبانا أخبرنا أن هذا سيحدث؟».

بعد قليل، حملت الأيدي القوية الكيس وألقته إلى جوار الأكياس الأخرى، على أعلى آلة البذار. وتساءلوا فيما بينهم من سيكون إلى جوارهم الآن؟ إنها وينِّي.

فحيتهم قائلةً: «مرحبًا، كيف وصلتما هنا؟»

قال ويلِّي «كما حصل معك، كما أعتقد… دعونا نبقى على مقربة من بعضنا البعض الآن»، واقترب من جانب وينِّي وأمسك بيدها.

فسألت وينِّي: «إلى أين نحن ذاهبون الآن».

«سيقومون بزراعتنا في مكان ما حيث سنتعلم فيه إرادة الله لحياتنا، وماذا يمكن أن نعمل لكي نخدمه».

«هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ» (متى ١٣: ٣ ـ ٤).

فقال ويلِّي «أرجو أن لا يحصل ذلك معي».

«وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالًا إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ» (متى ١٣: ٥ ـ ٩).

قام الرجال الذين كانوا ينقلون الأكياس بفحص جودة البذار عن طريق التقاط حفنة صغيرة وهزها في أيديهم. قال أحدهم: «يبدو أنه قمح جيد ونظيف، والحبوب حسنة الشكل». تغضنت وينِّي وكادت تبكي، ظنت أنها تتعرض للنقد. لكن ويلِّي ووالّي قالا: «لا تشعري بالسوء… سوف نظهر لهم ما نستطيع القيام به!».

ومرة أخرى تم رميهم في آلة رش البذار، وسريعًا تحركت الآلة. تدحرجوا فوق التلال صعودًا ونزولًا، خلف ذلك الجرار الهادر.

وسرعان ما شعروا أنهم ينزلقون عبر الأنبوب الطويل نحو الأرض. وأمسكوا بأيدي بعضهم بقوة، وسدو فتحة أنبوب آلة البذار.

فقال دان: «هذه الآلة مسدودة. إن لم أفتح أنبوب رش البذار المسدود على الفور سنخسر بعض القمح في الحقل». وقام بدس أصبعه في أنبوب آلة البذار، ودفع ويلِّي، ووالّي، ووينِّي سريعًا بحيث قذفهم خارجا في صف واحدة، فتم تغطيتهم بالتراب.

قالت وينِّي: «أعتقد أن هذا سيكون مكانًا لطيفًا في التربة. إنها ليست صخرية أو شبيه من هذا القبيل… لكنني لا أريد أن أبقى هنا طوال حياتي، أليس كذلك؟».

«لست بحاجة لفعل ذلك… تذكري أن أبانا أخبرنا عن الحياة الجديدة التي سنعيشها».

لقد كشف لنا يسوع عن أسرار الحياة هذه عندما كان هنا. وقد قال: «سَأَفْتَحُ بِأَمْثَال فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (متى ١٣: ٣٥).

عندما يقبل الأولاد أو البنات الرب يسوع كمخلص لهم، ويتم تطهيرهم من خطاياهم بالدم الثمين الذي سفكه على صليب الجلجثة، فهذا يمنحهم حياة جديدة وأبدية. يمكننا الحصول على هذه الحياة الجديدة هنا والآن. يسوع يعطينا الرغبة والقوة لنعيش من أجله ونأتي بثمر للسماء.

إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ…. كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً للهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا (رومية ٦: ٥، ١١).

«وهذا أفضل كثيرًا من البقاء محبوسين في ذلك المصعد السجن. ويظهر لي أنها تمطر… والمطر يمنحك شعور المتعة والانتعاش».

«نعم، ولكن أشعر بالنعاس الآن، سأخذ غفوة قصيرةً»

وبعد انقضاء بضعة أسابيع، وجد ويلِّي في صبيحة أحد الأيام أنه عندما نهض من نومه لم يتمكن من زرّ سترته بشكل مناسب. ولكن لا بأس، فالأمر لا يهم، فهو لا ينوي الذهاب إلى أي مكان اليوم على أي حال.

ولكن وينِّي لاحظت وعبرت عن نوع من السخط: «ما خطبنا هذا اليوم. فهذا الصباح، الدرزة على هذا الجانب من الثياب قد تمزقت، ويبدو أنك يا ويلِّي قد تغيرت أيضًا. انظر إلى سحاب سترتك!»

تذكر كلمات الرب يسوع: «إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» (يوحنا ١٢: ٢٤).

كان الآن شهر أبريل (نيسان). والطقس أصبح دافئًا ومشمسًا. عندما فتح ويلِّي عينيه في صباح أحد الأيام، كان يختلس النظر من الأرض. كان كل شيء غريبًا وجديدًا… كانت هناك براعم قليلة أخرى حوله لم يتعرّف عليها.

وعلى أي حال، كان مندهشًا لرؤية حقل كامل من القمح ذي المظهر الداكن على الجانب الآخر، يبلغ ارتفاعه أربع أو خمس بوصات. من أين أتى هذا القمح؟… وكيف أصبح بهذا الحجم؟

وفور ذلك نظرت وينِّي بشكل خاطف، وعيناها واسعتان من الدهشة، قائلة «مرحبًا يا ويلِّي،هل نبتت أوراقك هذاالصباح؟ يا له من أمر مشوق».

«أنا أتساءل، أين والّي؟»

«لعله ما زال نائمًا… إنْ كنت أعرفه».

ثم ألتفت إلى القمح الأكثر طولًا والداكن أكثر، وسأل بأدب: «من أين أتيتم؟».

ضحكت إحدى أوراق النبات… «نحن من الشمال… ونحن سعداء لأننا التقينا مع بعض الجيران الجدد».

«من الأفضل أن تخفضوا رؤوسكم… فطائرة رش قادمة إلى هنا»، صرخت تلك الورقة بينما كانت الطائرة تحدثُ ضوضاءً مدويًا ومفاجئًا، وهي تحلق فوقهم على ارتفاع منخفض. وسرعان ما طارت بعيدًا تاركًة بعض الرذاذ المتناثر ينساب من القمح.

كان ويلِّي يهز رأسه عندما سمع صراخ احتجاج من والّي. سأل، «من تسبب في دخول كل هذه الأشياء في عيني؟».

أجابت الورقة الفتية: «حسنًا، لقد ذهبت الطائرة بعيدًا الآن، لذلك لا توتر من القليل من الرذاذ، فهذا الرذاذ يساعد على إبطاء نمو الشوفان العريض والشوفان البري».

ومع كل يوم جديد، كان ويلِّي يكبر… ولكنه كان ينظر إلى جيرانه بنوع من الحسد… إذ كانوا أطول منه.

وذات يوم اشتكى قائلًا: «أنا عطش… لو كنت أقدر أن أحصل على شيء أشربه فقط».

فقالت سيدة لطيفة له: «استمع إلي، وانظر إنْ كان بوسعك أن تهز قدميك وترسل جذوركَ إلى عمق أكثر. فثمة دائمًا المزيد من الرطوبة في الأسفل».

سألت وينِّي، «كيف تعرفين؟ أنا عطشانة أيضًا، وكنت أهزّ أصابع قدمي، لكن يبدو أنني أقف على بعض التربة القاسية حقًا».

وتدخل جار ثانٍ قائلًا: «أنا فعلًا حاولت بصعوبة واخترقت بعض التربة. وأعتقد أنكِ قادرة على فعل ذلك. كلما كانت جذوركِ أكثر عمقًا، كلما كانت جودة حبوبكِ أفضل عند الله».

ضحك شاب قريب من وينِّي قائلًا: «إنْ أخذت بنصحية هؤلاء السيدات المسنات، فلن تبلغي أي مكان. مرحبًا، أظنّ أنّك لطيفة جدًا».

فأطرقت وينِّي عينيها إلى الأرض، غير راغبة برؤيه نظرته الجريئة.

فقال والّي: «ما اسمك؟»

فأجاب الشاب الوسيم: «أوتيس». ثم سأل أوتيس: «ما اسمك؟»

«القمحة والّي… وهذا أخي ويلِّي».

فأومأ أوتيس برأسه… وقد أعجبوا نوعًا ما بالتهور الطبيعي والنظرة المسلية على وجهه. بدا أن الجميع كان يعرفه، وتحدث بثقة إلى كل من حوله.

وعند الليل، كانت الرطوبة تملأ الهواء، والندى يتجمع على القسم الأسفل من أوراقهم ليشربوا منه.

فقالت وينِّي: «الله يعلم أننا بحاجة للماء»، وفي نفس الوقت لاحظت أن أوتيس استدار.

في الصباح، لونت أشعة الشمس الأولى السماء الشرقية. فصرخت وينِّي: «ما أجمل لمسة الفنان المحترف!».

ومرة أخرى استدار أوتيس.

كانت وينِّي مغرمة بالزوجين الأكبر سنًا القريبين، فسألتهما: «لماذا تتوجهان صوب الشمس كل صباح؟»

«الله يرسل لنا نورًا في كل يوم جديد. كلما نظرنا إليه، كلما ساعدنا على تحقيق إرادته. لقد عشنا أطول مما عشتي أنت، لأنه تم زرعتنا في الخريف الماضي وتحملنا الشتاء البارد الطويل. لقد تعلمنا تقدير ضوء الشمس، وعلى الرغم من أن الطقس حار في بعض الأحيان الآن، إلا أنّه لا يمكننا الاستغناء عن الضوء».

وبينما كان الزوجان يتحدثان، ضحك أوتيس، وفي تلك اللحظة أمسكه والّي هو يأكل طعامه.

صرخ والّي: «مرحبًا، هذا الي!»

فأجاب أوتيس: «هل تدعوني لصًا؟ أنت مجرد نبات قمح لا قيمة لك».

كان ويلِّي غاضبًا لسماع أخيه يتعرض للإهانة بهذه الطريقة، لكنه لم يستطع الرد على أوتيس، لأن أوتيس كان أعلى من مستوى كتف ورأس الجميع. كما كانت هناك أشياء أخرى أزعجت ويلِّي. ومع ذلك، بدا أن وينِّي كانت غافلة عن وجود أي خطأ ورحبت باهتمامه.

فسأل ويلِّي بلطف صديقيه المسنين: «من أين أتى أوتيس؟».

« وَفِيمَا النَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَانًا فِي وَسْطِ الْحِنْطَةِ وَمَضَى…. فَجَاءَ عَبِيدُ رَبِّ الْبَيْتِ وَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَلَيْسَ زَرْعًا جَيِّدًا زَرَعْتَ فِي حَقْلِكَ؟ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ زَوَانٌ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِنْسَانٌ عَدُوٌّ فَعَلَ هذَا. فَقَالَ لَهُ الْعَبِيدُ: أَتُرِيدُ أَنْ نَذْهَبَ وَنَجْمَعَهُ؟ فَقَالَ: لاَ! لِئَلاَّ تَقْلَعُوا الْحِنْطَةَ مَعَ الزَّوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ. دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَوَّلًا الزَّوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَني» (متى ١٣: ٢٥ ـ ٣٠).

لم يبدُ أوتيس جائعًا أو عطشًا قطّ مثل ويلِّي، ولم يقدر ويلِّي أن يفهم كيف كان أوتيس واقفًا بقامة منتصبة، في حين أنه بالكاد كان قادرًا على رفع رأسه.

فقال جاره الكبير بحكمة: «لديك حبات قمح من الذهب تشكلت لأجل رب الحصاد، لهذا السبب».

تذمرت وينِّي أيضًا طلبًا للماء، لكن أوتيس سخر منها، «أنت تبلين بلاء حسنًا يا صغيرتي… قريبًا سوف يمنحنا القمر بعض الضوء، وسيكون لطيفًا ورائعًا، ويمكننا أن نتمتع ببعض المرح!».

وكان ويلِّي محاطًا بشباب طوال القامة مثل أوتيس. وإن حصل واشتكى عندما كانوا يأخذون أكثر من حصتهم من الطعام أو الماء، فإنهم كانوا يهزون رؤوسهم ويصفرون بنغمة واثقة، ويفرقعون أصابهم ويتمايلون معًا.

وقالوا بكبرياء: «لدينا أشياء كثيرة نقوم بها، وأماكن كثيرة نذهب إليها. ولولا أشخاص مثلك مصرّون على البقاء خضرًا لفترة طويلة، لكنّا قد ذهبنا في طريقنا قبل الآن».

وذات يوم جاء رجلان سيرًا على الأقدام نحو الحقل، وقال أحدهم: «يبدو أن قمح الشتاء جاهز للحصاد».

«أعرف، وقد نضج القمح الربيعي بسرعة بسبب نقص الأمطار هذا الربيع. أعتقد أنه سيكون جاهزًا مبكرًا. يمكننا البدء في حصاده بمجرد الانتهاء من حصاد القمح الشتوي. لا بد لي من استئجار بعض الشباب للعمل في الحقل وإزالة الشوفان البري غدًا. هناك الكثير من الشوفان البري، ولا نريد حصاد أي شوفان بري، هذا أمر مؤكد!».

«وكيف لك أن تعرف على وجه اليقين أيهما القمح وأيهما الشوفان البري؟».

«حسنًا، عندما تنظر إلى الشوفان البري، ستلاحظ أن قلبه أسود دائمًا، ويظهر واضحًا عندما يكتمل نموه. عندما يكون الشوفان البري صغيرًا، يكاد يكون من المستحيل معرفة الفرق بينه وبين القمح، إلا بالفحص الدقيق للغاية. كما أن أوراق القمح تتجه نحو الشمس، في حين تستدير أوراق الشوفان البري بالاتجاه المعاكس. الشوفان البري ليس مفيدًا لأي شيء على الإطلاق… بل يسلب التربة الغذاء الذي هو ضروري لتعذية القمح».

 

فسمع ويلِّي كل كلمة قالها الرجال. وقام أحد المزارعين بأخذ بعض القمح الشتوي وقارنها بالقمح الربيعي.

قال: «انظر إلى الاختلاف هنا يا دان. القمح الشتوي ممتلىء جيدًا، لأنه استفاد من الأمطار المبكرة والمتأخرة؛ لكن حبات القمح الربيعي أصغر حجمًا ومنكمشة نوعًا ما. إنها حقًا أفضل مما كنت أتوقع، رغم قلة أمطار هذا الموسم. مثلنا، يحتاج القمح حقًا إلى «ماء الكلمة» لينمو».

وأخبر ويلِّي فيما بعد والّي ما قاله المزارع، وكانا سعيدين لأن المزارع لاحظ أنهم أنتجوا أكثر من ستين ضعفًا.

وكان كلاهما يراقب عندما جاء العديد من الزملاء الشباب إلى الحقل في صباح اليوم التالي. قال تروي: «لدينا الكثير لنفعله إذا أردنا إزالة الشوفان البري من هذا الحقل»، بينما كان يمد يده بحثًا عن بعض سيقان الشوفان البري الطويلة. مرَّ أحد الزملاء الصغار بجوار ويلِّي، ووالّي، ووينِّي، ولكن عندما رأى أوتيس ونظرته المتعالية، سحبه تروي بكامله من جذوره، وألقاه في كيس الخيش المخصص للشوفان البري.

«هوذا الزارع قد خرج ليزرع. الحقل هو العالم. البذار الطيب هم أولاد الملكوت. لكن الشوفان البري هم أبناء الشرير. العدو الذي زرعهم هو الشيطان. الحصاد هو نهاية العالم؛ والملائكة هم الحصادين. لذلك يتم جمع الشوفان البري وإحراقه في النار. وهذا ما سيكون في نهاية هذا العالم»

«حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ» (متى ١٣: ٤٣).

وبينما كانت وينِّي تستدير صدر عنها تنهيدة عميقة، وسألت: «والّي، هل أنا سعيدة لأننا نعرف ونؤمن بمحبة الله لنا؟»

أجاب والّي: «نعم، يمكن أن تبدأ ثمار الروح في النمو بمجرد أن نقبل الرب يسوع في قلوبنا، مدركين أن طبيعتنا القديمة فاسدة، وهو وحده القادر على تطهيرنا ومنحنا حياة جديدة ومساعدتنا لنكون مستعدين لوقت الحصاد».

لوح ويلِّي بذراعيه وأشار إلى الحصاد الكبير المجموع، وصرخ قائلًا: «انظرا! سيبدأ الحصاد في أي وقت الآن! قريبًا سنتجمع في منزل أبينا السماوي بأمان إلى الأبد».

 

«الذَّاهِبُ ذَهَابًا بِالْبُكَاءِ،
حَامِلًا مِبْذَرَ الزَّرْعِ،
مَجِيئًا يَجِيءُ بِالتَّرَنُّمِ
حَامِلًا حُزَمَهُ».
(المزمور ١٢٦: ٦).